‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 30 يناير 2016

دستويفسكي ضدّ الماركيز دو ساد: جون آتاريان



ترجمة: أسماء القناص


Fedor Dostoievski by Séverine Scaglia
كان الماركيز دي ساد (1740-1814)، الفاجر، المُنحرف والإباحي، شخصيةً مِحورية في الفكر الغربي. قدّمت رواياته مثل: "جوستين" (1791)، "الفلسفة في المخْدَع" (1795)، "جولييت" (1797) ولأول مرّة الفلسفة العَدمية مُوضحةً كُل ما يترتب عليها من شُرور.
لقد تدفقت فلسفة ساد من تضخّم الأنا، مما دفعهُ إلى التطّرف الشديد في مُحاربة الإيمان. إن عدم وجود الله يجعل من الكون مُجرد طبيعة مادية بحتة، آلية تشغيل ذاتي «الحركة الدائبة للمادة تُفسر كل شيء». إن البشر مُجرد آلاتٍ تتملصُ من المسؤولية الأخلاقية، وطالما لا توجد حياةٌ أخرى، فإن سلوككَ غيرُ مُهم، سواء كُنت مُنحرفاً، أو فاسِداً. تُؤكد الأعرافُ المحلية أن الأخلاق نِسبية، وتختلِف باختلاف الثقافة، والجغرافيا، وبالتالي مُبتدعة. الطبيعة وحدها هي دليلُنا الأخلاقي، ومُذْ تبنّت الطبيعة مَسألة خلِق حيوات جديدة من أشكالِ الحياة الميتة، أصبحتْ أهميةُ البشر لا تعلُو عنِ الحشرات، جميعُهم سواسية. استخدمَتْ الطبيعة الجرِيمة، التدمير، والموت ضرورةً ومُتعةً لها، لذلك يكونُ القتلُ أمراً طيّباً، والسفّاح هو أسمى صورة من صور البشرية.
لقد وُلد الفردُ وحدهُ، وهو المُهم فقط، لا وجود إلا لدوافِعه الأنانية، وبدون أية التزامات لأحد. كُل فرد مُحرّض ضِد الآخرين «أُمتّع نفسي بغض النظر عنِ الحساب». الفردُ يميلُ بطبيعته إلى الهيمنة، وإلحاق الألم بالآخرين، وهذا ما يُمتعه، لذلك الناسُ العادية ليست إلاَّ كائنات نَفعية، لُعبةٌ بيد الأثرياء، الأقوياء، والإلهيون. أولئكَ الذين لا يمنحُون الحُب على الإطلاق. يكون الجمالُ، والبراءة، مُلهماً للقسوة، والتصرفاتِ الشيطانية. منذُ جعلت المادية المُتعة تتناسبُ طردياً مع الإثارة، بقدر ما كُنتَ قاسياً، بقدر ما تستمتع. لذلك فإنّ الأنانية، التطرّف، والقسوة هي المسارُ الصحيح.
إذا لم يكُن هناك إله، جحيم، لا حق، ولا باطل، وبدون أية مسؤولية أخلاقية، فلا وجود لمعنى يتجاوزُ حدود المُتعة، ثم يكون الوُجود بأكملِه، بلا أية معنى أو قيمة. لا شيء مما تفعلهُ يبدو مُهماً، والآخرون يفقدون قيمتهم، ما تفعله معهم، ولهم لا يعني أية شيء. إن العدمية تُحرّرنا، وعندها يُصبحُ كل شيء مسموحاً.
سوّغ ساد باستمرار الأنشِطة الجنسية الأكثر انحطاطاً، وتفسخاً، وقام بتبرير كُل جريمة تتضمن القتل، وأكلَ لُحوم البشر. لقد قاد الضجر، والنهم ساد لأبشع الجرائم التي بلغت ذروتها في المجازِر، حتى أن جرائمهُ الغارقة في الشر جعلتْ مِن التوبةِ، والاستقامة أمراً مُستحيلاً. وبسبب عجزِ الواقع عن إشباع رغباته اللامحدودة، الرغباتُ المتلهفة نحو الدمار الشامل، أصبح الإحباط، والسخط حليفاً له.
بما أن دينامية الشر، ووجهات نظر ساد في القسوة، والقتل تُشير إلى أن العَدمية في نهاية المطاف شيطانية لا أكثر، ولا تحتوي إلا على تدنيس للمُقدسات، إدانات مسعُورة لله، والمسيحية، والمُمارسات الشيطانية بما فيها السوادُ الذي يَطغى روايات ساد، حيثُ المركز الوحيد هو التمرّد، والسعي للتفوق عن طريق الشر، والسيادة.
أثّر ساد بشكل واضِحْ على الكُتّاب الرومانسيين، والمنحلين أمثال: تشارلز بودلير، جوستاف فلوبير، ألغرنون سوينبرن وراشيلد. لقد أخبرُهم ساد ما أرادوا سماعه، وسَعتْ فلسفتهُ لتحريرهم، وحثّهم على الانغماس، والتعبير عن هوسهم في القسوة، والانحراف، لذلك ساهَم ساد بشكل جلي في تفشّي هذا المرض في الفكر، والثقافة الغربيين.

الأربعاء، 16 ديسمبر 2015

أصول التعذيب في الأدب: برناردت ج. هروود



ترجمة ممدوح عدوان

Sculpture by Olivier de Sagazan
في كل عام تظهر كمية هائلة من القصص التي تعالج، ولو جزئياً، الوحشية الجسدية. وعلى الرغم من أن السادية- المازوشية قد لا تكون في صلب الموضوع إلاّ أنها تكون متوفرة في نسبة كبيرة من القصص. وأحد الأدلّة على ذلك يبدو في عدد المبيعات الهائل لما يسمى مدرسة الكتابة البوليسية الواقعية. إن شعبية الملف الأدبي تعكس ذوق المجتمع. فالذين لا يستطيعون، لسبب أو لآخر، أن يخلقوا الجحيم الذي يتوقون إليه، يشبعون رغباتهم في العالم الخيالي للكتب وأفلام السينما والتلفزيون.
وكل من يستطيع القراءة هذه الأيام صار على صلة بكلمتي السادية والمازوشية. وما لا يعرفه إلا القلة أن كلاً من التعبيرين يمدّ جذوره العميقة في عالم الأدب. ولقد اشتقت الكلمتان من إسمي نبيلين أوربيين هما الكونت دوناتييه ألفونس فرانسوا دو ساد والفارس ليوبولدفون ساشر مازوش. ومن المستحيل البحث في الجوانب الأدبية للتعذيب دون التنقيب عن دو ساد الفرنسي وساشر- مازوش النمساوي وليس فقط أن كتاباتهما تمثل الحد الأقصى المتطرف من حالة شذوذ جنسي محدودة بل إن قصتي حياتهما الشخصيتين تساهمان في توضيح كيف أن اسميهما قد اندرجا بين التعبيرات العلاجية السريرية.
ولد الماركيز دو ساد في الثاني من حزيران عام 1740 في احدى أبرز العائلات في وسط النبلاء الفرنسي. ولد معه لقب ماركيز ثم ورث لقب الكونت بعد موت والده. إلا انه وقد كون شهرته قبل موت الأب فإن اللقب الأول أكثر شيوعاً. وكان عدد من أسلافه قد أرسوا مكانة متميزة للعائلة كرجال دين وأبطال عسكريين ورجال دولة. وما من شك أن أشهر أسلافه جدته ني القرن الرابع عشر لورا دونوف التي خلدها بترارك في شعره ثم أصبحت زوجة هيغو دوساد مؤسس العائلة.
قضى المركيز الصغير السنوات الأربع الأولى من حياته مع أمه، وهي ابنة أخ الدوق دوريشيليو سيء الصيت ووصيفة الأميرة دو كوندي من آل بوبورن. وأفسد دوناتيين، الطفل الجميل ذو الشعر الذهبي الطويل والعينين الزرقاوين الواسعتين والتفاصيل الدقيقة بالتدليل والملاطفة اللذين كان يجدهما عند كل من حوله. لم يكن ليمنع عنه أي وجه من وجوه الرفاه. ولما كان قد أظهر دلائل النجابة منذ أن كان في الرابعة فقد بدا يزعج من هم أكبر منه. وعلى الرغم من أنه كانت له ملامح ملاك إلاّ أن مزاجه كان شيطانياً. فحين لا يفعل ما يشاء يتحول إلى منطو حقود. وبكلماته هو كان «مغروراً متسلطاً سريع الغضب.»
إلاّ أنه لم يكن أمراً غير عادي أن تبرز هذه المواصفات في نبيل غرّ أيام لويس الخامس عشر؛ وبالنسبة لـ دو ساد فقد كانت المسألة كامنة في أنه أذكى ممن هم أكبر منه. وكان ذلك مفسداً ليافعي القرن الثامن عثر مثلما هو مفسد اليوم. ومع الأيام أرسل الغلام إلى المقر الريفي لعمه فرانسوا، وهو كاهن بحاثة هجر الحياة الدنيا في باريس وانقطع إلى الدراسة والتأمل. وهناك نمى الماركيز تعطشه للمعرفة وحبه للكتب. وحين أصبح  في العاشرة من عمره انخرط في الجزويت في( كلية لوي دوغراندا) في باريس.
وحين صار عمره أربعة عشر عاماً كان قد حصل على ثقافة عالية. تفوّق في اللاتينية واليونانية وتألق في المبارزة والمناقشة والتمثيل والفنون الجميلة وأسفر عن موهبة متميزة في الرسم والنحت. وفي ذلك الحين أيضاً غرق في الملذات الجنسية التي ميزت فرنسا القرن الثامن عشر ما قبل الثورة. وتحول إلى رحالة في دروب الجسد في فترة خدمته العسكرية ما بين 1754 و1963. ولقد قضى جزءاً من هذه الفترة العسكرية في ألمانيا حيث اشترك في حرب السبع سنوات. والجانب الوحيد الذي كان يستمتع به في حياته العسكرية هو الاستمتاع بالإجازات، وكان أفضلها ما يقضي في المباغي حيث كانت الممارسات الجنسية الغريبة تعمل على إثارة الشهوات المتخمة لدى الزبائن الأرستقراطيين.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2015

سـاد: جورج باتاي

ترجمة محمد عيد إبراهيم 
                                                                      
                                                                
وسط هذه الملحمة الملوكيّة نرى رأساً عاصفاً يومض، صدراً ثقيلاً يعبر مع البرق، الرجل القضيب، لمحة مهيبة ساخرة تلوي قسماته مثل تيتان(1) شبحيّ سامٍ؛ نحسّ برِجفة المطلق في الصفحات الملعونة، بأنفاس المثال العاصف بين هاتَين الشفتَين الحارقتَين. ادنُ قريباً فستسمع شرايين روح كلية، أوردةً متورّمة بدم قدسيّ تنبض في جثّة نازفة موحلة. مثل هذه البالوعة منقوعة في لازَوَرديّ، ثمة عنصرٌ نظيرُ إلهيّ بهذه المراحيض. سُكّ أّذنكَ عن قعقعة الحِراب وقصف المدافع؛ حوِّل عينكَ عن هذا المدّ الجوّال من الحرب، من الانتصارات أو الهزائم؛ فقد ترى شبحاً هائلاً ينفجرُ أمام الظلال؛ قد ترى قامةً رحبةً مشؤومة للماركيز دو ساد وهو يتبدّى فوق دهرٍ مخيطٍ بالنجوم. 
سوينبرن(2)

Depiction of the Marquis de Sade
 by H. Biberstein
لماذا زوّدتنا فترة الثورة بأمجادٍ من الفنون وعالمٍ من الرسائل؟ عنفٌ مسلّح منسجم بصعوبة مع ثراء الميدان الذي نستمتع به وقت السلام. تُبدي الصحفُ مصيرَ الإنسان بكلّ ما فيه من ذعر. هي البلدة نفسها، لا أبطال المآسي والروايات، تهب العقل رجفة مما تزوّدنا به من شخوص خيالية. أي رؤية فورية للحياة بائسة بالمقارنة مع تلك التي يفصّلها المؤرّخ بذكرياته وفنونه. لكن لو طبّقنا الشيء ذاته على الحبّ، الذي تقع حقيقته الجلية في الذكريات [كثيرة هي غراميات الأبطال الخرافيين، تبدو لنا عادةً حقيقيةً أكثر ممّا لدينا]، أَمِن الحقّ القول إن لحظة الحريق، حين يتكشّف منقوصاً بوعينا البليد، تستغرقنا كلياً؟ زمان التمرّد غير مرغوب فيه أساساً مع تطوّر الفنون. من اللمحة الأولى نرى الثورة فترة مجدبة في الأدب الفرنسيّ. ثمة استثناء واحد قد نقدّمه، لكنه يتعلّق برجل غير معتَرَف به ـ كان، وهو حيٌّ، ذا سُمعة، لكنها سُمعة سيئة: حالة ساد، فهو استثنائيّ جداً، يبدو أننا نؤكّد هذا الجدب بدلاً من إنكاره. 
لنبدأ فنقول إن الاعتراف بعبقرية ساد وجماليات ومغزى عمله مستَجدّ. وساهمت في ذلك كتابات جون بولون(3)، بيير كلوسوفسكي(4)، وموريس بلانشو(5). لم يحدث قبلها هذا الثناء الرائع الذي ساهم في تأسيسٍ بطيء بل أكيد لسُمعة ساد.  

ساد واقتحام الباستيل
ترتبط حياة ساد وأعماله واقعياً بحوادث تاريخية، لكن بأغرب طريقة ممكنة. فلم يكن الحسّ بالثورة من "معطيات" أفكاره، إن كان ثمة رابط كهذا بين العناصر المتفاوتة لشكله اللامنتهي ـ بين الدمار وبعض الصخور، أو بين الليل والصمت. وعلى رغم أن ملامح هذا الشكل تظلّ محيرة، إلا أن الوقت قد حان لتبيانها.  
لبعض الحوادث قيمة رمزية أكبر من اقتحام الباستيل. في الاحتفالية لإحياء ذكراها، يحسّ كثير من الفرنسيين بما يوحّدهم مع سيادة بلدهم وهم يشاهدون وشمَ مِشعلةٍ تتقدّم عبر الظلام. هذه السيادة الشعبية، وهي هائجة متمرّدة، صرخة لا تُقاوَم. وليس ثمة رمز احتفاليّ أفضل من التدمير المتمرّد لسَجن. الاحتفالية، كسيادة بالتحديد، هي جوهرُ إطلاق السراح، منه تتقدّم سيادة عنيدة. لكن، هل ينقص الحدث عنصر من المصادفة، هل تنقصه نزوة، لكيلا تكون له الأهمية ذاتها: ولهذا فهو رمزيّ، متباين عن الصيغة المجرّدة.   
يُقال إنه لم يكن لاقتحام الباستيل حقاً تلك الأهمية التي تُعزَى إليه. وهو أمر ممكن. فلم يكن في يوم 14 يوليو 1789 أيّ مساجين ذوات قيمة. وقد تأسّس الحدث من سوء تفاهم، سوء تفاهم، وفقاً لـ ساد، ابتدعه هو نفسه. ويمكن القول إن هذا العنصر الملتبس هو ما يمنح الواقعة بكاملها تلك النوعية العمياء، المجهولة نسبياً، من دون أن تكون أكثر من استجابةٍ لإملاءات الضرورة، كما يحدث في مصنع. لا تُنكر النزوة، أو المصادفة جزئياً الاهتمام الناشئ مع 14 يوليو، بل تمنحه أيضاً الاهتمام الطارئ.
حينما قرّر الناس أنه حدث سيرجّ العالم، إن لم يحرّره، كان أحد المحرَّرين المشؤومين في الباستيل هو مؤلّف "جوستين"، وهو الكتاب الذي يؤكّد لنا جون بولون في مقدمته أنه سيعرض أمامنا مسألة عويصة استغرقت حوالي قرن من الزمان للردّ عليها. سُجن ساد عشر سنوات وفي الباستيل منذ 1784. وهو أحد أكثر الناس تمرّداً وغضباً حين يتكلّم عن التمرّد والغضب، بإيجاز، هو وحش، مسكون بفكرة الحرية المستحيلة. أما مخطوطة "جوستين" فكانت في الباستيل حتى يوم 14 يوليو، لكن، مثلها كمخطوطة "120 يوماً في سدوم"، مهملة بزنزانة فارغة.
نعرف أن ساد كان يخاطب الحشود قبل يوم من الانتفاضة. يبدو أنه استغلّ الأنبوب المستعمل لصرف مياه المجاري كمكبّر صوت مدوٍّ، ومن بين أفعاله التحريضية الكثيرة كان هتافه عالياً بضرورة ذبح المساجين. وهو أمر متّسق مع الطبيعة التحريضية لحياته وأعماله كافّةً. لكن الرجل الذي يرزح تحت الأصفاد من عشر سنين كتجسيد غاضب منتظراً إطلاق سراحه من وقت طويل، لم تُطلق سراحه "غضبة" الدهماء. قد يحدث غالباً أن يسمح لنا الحلم بلمحة مكروبة عن إمكانية تامة تتكشّف في اللحظة الأخيرة جواباً محيّراً يُرضي رغبةً ساخطة. سُخط السجين يعيق إطلاق سراحه ثمانية أشهر. لقد طلب الحاكم نقل ساد، الذي كان متّفقاً بوضوح مع الثائرين. حين تحطّم المزلاج وملأ الدهماء الممرات، كانت زنزانته فارغة. تسبّب الهياج في فقدان المخطوطات المبعثرة من مؤلفّات الماركيز. 120 يوماً في سدوم، أول الكتب المعبّرة عن الغضب الحقيقيّ الذي كان يحمله وعليه أن يسيطر عليه ويكتمه، الكتاب الذي قد يُقال إنه سيهيمن على الكتب كافّةً، اختفى. وبدلاً من تحرير مؤلّفه، ضيّع الدهماء المخطوط الذي كان التعبير الأول عن الرعب الكامل من الحرية. 
كان 14 يوليو تحرراً عن حقّ، لكن بحسّ خفيّ من الحلم. ومع أنهم قد عثروا على المخطوط فيما بعد، ونُشر في عصرنا، إلا أن الماركيز نفسه سُلب منه. ظنّ أنه راح للأبد، مما ملأه باليأس. فكتب «هي أكبر محنة كانت السماء تجهّزها لي». ومات، من غير أن يعي أن ما فُقد بلا عودة سيصادفونه، فيما بعد، ويُنشر ضمن "آثار خالدة من الماضي". 

الأربعاء، 27 مايو 2015

براهين ساد: موريس بلانشو

 ترجمة حسين عجة         
       

Sophie Sainrapt - Femme asiatique
       ظهرت قصة جوستين أو مآسي الفضيلة ثم أعقبتها قصة جولييت، أختها في عام 1797، في هولندا. سرعان ما شعر العالم بفزع من هذا العمل الضخم، المكوّن من أربع آلاف صفحة، والذي أعاد الكاتب كتابته أربع مرات وبالتالي توسّع حجمه؛ عمل متواصل ولا نهاية له. وإذا كان ثمّة من جحيم في المكتبات، فهو قائم في هذا الكتاب. كذلك يمكن القول إنه لم يتضمّن أدب أي زمان عملاً فضائحيّاً مثله، وليس هناك من مثيل له في تجريحه العميق لمشاعر وأفكار الناس. مَنْ الذي بمقدوره اليوم مضارعة ساد في إباحيته؟ أجل، يمكننا طرح ادعاء كهذا: لم يُكتب أبداً أي عمل أكثر فضائحية منه. ألا يشكل هذا مبرراً للاهتمام به؟ لدينا حظ اللقاء بعمل لم يوفق أيّ كاتب، في أية لحظة، في الذهاب بمغامرته أبعد منه؛ وهذا يعني أننا نمتلك بمعنى ما، وتحت إمرتنا تقريباً، مطلقاً حقيقياً (un véritable absolu)، في عالم لا يعير الأدب سوى اهتمام نسبي، ومع ذلك، لا نحاوره؟ ولا نتخيّل حتى مُساءلته عمّا يجعله غير قابل للتخطّي، وما العنصر الأشد تطرفاً فيه، الذي يجعله عصيّاً إلى الأبد على الإنسان؟ عدم اكتراث غريب. أو لن تكون الفضيحة خالصة إلا بفضل عدم الاكتراث هذا؟ فإذا ما تأمّلنا التدابير التي اتخذها التاريخ لجعل ساد لغزاً خارقاً، وإذا ما تخيّلنا الأعوام السبعة والعشرين التي قضاها في السجن، أي ذلك الوجود المُغلق والمُحرّمِ، حينما لا يطال الحبس حياة المرء وحسب، وإنما مجرد بقائه حتى، إلى حدّ يصبح فيه إخفاء عمله بمثابة الحكم عليه، وهو ما زال حيّاً، بالسجن الأبديّ، حينئذ يتساءل المرء إذا ما كان المراقبون والقضاة الذين أرادوا دفنه بين الجدران قد وضعوا أنفسهم بالأحرى في خدمة ساد، وبأنهم حقّقوا بهذا الأماني الكبرى لدعارته (son libertinage)، هو الذي طالما حلم بالعزلة في أحشاء الأرض، ضمن غرابة وجود تحت أرضيّ ومنزوٍ. لقد صاغ ساد، عبر عشر طرق، فكرة أن التجاوزات الكبرى للإنسان تقتضي السريّة، العتمة والهاوية، وكذلك عزلة زنزانة لا يمكن اختراقها. والحالة هذه، من الغرابة أن يصبح حرّاس الأخلاق أنفسهم، أي أولئك الذين حكموا عليه بالمنع، متواطئين مع أقوى أشكال اللاأخلاقية (immoralité). فأم زوجته، السيدة مونتري (Madame Montreuil) المحتشمةِ، التي حكمت على حياته بالسجن، قد جعلت من تلك الحياة عملاً رائعاً للعار (infamie) والفسوق (débauche). وإذا ما زالت جوستين وجولييت تبدوان لنا، بعد مرور العديد من الأعوام، الكتاب الأشدّ فضائحية الذي يمكن قراءته، فلأن قراءته مستحيلةً تقريباً، وكذلك لأن الكاتب، الناشرين، والأخلاق العامة (Morale universelle)، قد اتخذوا كلّ التدابير بغية أن يظل الكتاب سرياً، ولا يمكن قراءته (illisible) أبداً، لا يُقرأ بحكم سعته، تركيبه، تخمته ومن جانب صرامة توصيفاته وضراوة فحشه أيضاً، التي لا يمكنها سوى دفعه بعجالة نحو الجحيم. كتاب فضائحيّ، لأنه ليس بمقدور المرء الاقتراب منه، ولا يمكن لأحد جعله كتاباً شعبياً. لكنه كتاب يظهر أيضاً بأنه ليس ثمة من فضيحة، إذا لم يكن هناك إجلال (respect)، وحيثما تكون الفضيحة خارقة، يكون الإجلال في ذروته. منْ الذي يتمتع بإجلال أكبر من ساد؟ كم هو اليوم عدد أولئك الذين يعتقدون بعمق أنه يكفيهم الاحتفاظ بين أيديهم للحظات بذلك العمل الملعون (œuvre maudit) لكي يتحقق القول الغروريّ لـ روسو: كلّ فتاة تقرأ صفحة واحدة من ذلك الكتاب سوف تضيع؟ يشكل إجلالاً كهذا قطعاً كنزاً بالنسبة للأدب والحضارة. كذلك لا يمكن للمرء منع نفسه من الجهر بحذر لكلّ الناشرين والمعقبين في الحاضر والمستقبل عن الأمنية التالية: في ساد، احترموا على الأقل الفضيحة.

السبت، 9 مايو 2015

التمرّد، جنون الكتابة: موريس بلانشو

ترجمة: جورج أبي صالح
مراجعة: فريق مركز الإنماء القومي
       
1- قراءة ساد صعبة، إنه واضح، سَلِسَ الأسلوب، وذو لغة صريحة. إنه ينشد المنطق؛ يفكّر، ولا يهتم إلاّ بالتفكير؛ وهذا العقل، الخالي من الأحكام المسبقة، يتكلّم ليُقنع، وبالاستعانة بالحقائق التي يعطيها شكلاً عاماً، والتي تبدو له بديهية إلى حدّ أن كلّ اعتراض يُعزى بقوة إلى اعتقاد باطل. إنه يصبو إلى العقل، وبالعقل يهتم، بعقلٍ يقترحه على الجميع وسيكون موافقاً للجميع.
أظن أنه لا ينبغي نسيان ذلك أبداً، أي علاقة ساد هذه بعقل ما [من هنا الطابع البرهاني لأقل كتاباته والذي يهزأ به الواعظون]. وكيف ستنساه القراءة، وهي تصادف حالاً هذا الطموح، هذا الشرط المعقول، إنما كيف لا تنساه، وهي تصادف حالاً كل ما يلزم لدحضه: التناقضات الأكثر وقاحةً، حجج تنقلب، قضايا لا تصمد، تنافر أمانٍ ومبادئ نتفاجأ بها إما بشدّة وإما شيئاً فشيئا؟ يستطيع كلّ واحد أن يختبر ذلك بنفسه. ولن أذكر غير مثل عام واحد مقتبس من الكتيّب المشهور(1). ففي الجزء الذي يعالج موضوع الدين، يطالب المؤلَّف باستبعاد هذا الأخير إذا أردنا أن يكون عندنا مواطنون صالحون وآباء صالحون وأزواج صالحون؛ أمّا المبرّر الذي يثبت ذلك فهو أن رجالاً مذعورين، جهلة وأذلاّء، كما هم جميع المؤمنين، لا يستطيعون القيام بواجباتهم المدنية لكونهم قد فقدوا كلَّ إحساس بالحرية. لكنه، في الجزء الثاني، يوصينا بمثال مختلف تماماً، وإذا به يقترح علينا أولاداً بلا أب ويقرّ شيوع النساء وشيوع الرجال ويلغي العائلة أخيراً، وبتأكيد قوي يقول: «لا تتصوّروا أن تصنعوا جمهوريين صالحين ما دمتم تعزلون الأولاد الذين ينبغي ألاّ ينتموا إلاّ إلى الجمهورية داخل عائلاتهم». حسناً، ها قد اقتنعنا. لكننا في موضع آخر أو في الوقت ذاته، نتبيّن فكرة مختلفة كلياً: أولاد بلا أب، نعم، إنما ليس من أجل رفعة الجمهورية بل من أجل سهولة الفسق؛ النساء الشائعات للرجال [والرجال الشائعون للنساء]، ليس من أجل شيوعية شريفة للأعراف إنما لتيسير الاستمالة إلى البيوت المخصَّصة للدعارة؛ أما العائلة، فإذا كنّا لم نعد الآن مستعجلين لإلغائها، فذاك للحفاظ بوجه أفضل على الزنا، كما على كلّ الانحرافات التي ستزول معه، بدءاً بارتكاب المحارم الذي يكتب عنه ساد بدعابة خفيّة خاصة به: «أسمح لنفسي بأن أؤكد بأن ارتكاب المحارم يجب أن يكون قانون كلّ حكم يكون الإخاء أساسه». لنتوقف هنا. فإن قارئاً سوف يلقي الكتاب من يده مقتنعاً بخرق مؤلِّفه؛ بينما سيحتفظ به قارئ آخر بسبب هذا الخرق. وأعتقد أنهما سيكونان كلاهما على خطأ. ربما كان ساد مجنوناً مثلما لابدّ أن نكون جميعاً في أوقاتنا الليلية الحلوة، غير أن ما يكتبه لا يقع تحت طائلة هذا الحكم. والدليل هو أننا معرّضون لطريقة في الفهم تفوتنا، ومع ذلك تجذبنا. بسبب ذلك، فإننا، رغماً عنّا وعلى الرغم من رغبتنا في منطق بسيط، نستأنف القراءة، مجذوبين بحركة لن تتوقف من بعد.

الثلاثاء، 21 أبريل 2015

مقدمة كتاب "الماركيز دي ساد" تأليف ستوارت هود وجراهام كرولي: إمام عبد الفتاح إمام


"أقدم لك.. هذا الكتاب..!"
هذا هو الكتاب الثلاثون في سلسلة "أقدم لك.."، وهو يدور حول الماركيز دي ساد (1740-1814) والسادية (Sadian) التي اشتقت من اسمه، وهو رجل غريب الأطوار: كاتب وأديب لا يملّ قراءة الكتب حتى أنه يحتفظ بمكتبة وهو في السجن، كما أنه صعلوك، وشاذ، ومنحرف، وفاسق، وفيلسوف، وصاحب استبصارات قوية حول الطبيعة البشرية حتى أصبح اسمه مذهباً شهيراً في علم النفس!. ومن هنا اختلفت فيه الآراء، فذهب البعض إلى أنه مجرم، بل شيطان آثم. وإنْ كان إنساناً فهو على أقل تقدير فاسق وفاجر، ولهذا استحق أن يقضي معظم حياته في السجن، كما حدث بالفعل، وأن يُكمل البقية الباقية منها في مصحة الأمراض العقلية وأن يموت فيها! وذهب آخرون إلى أنه يجسّد الانحراف (Perversion). بأنواعه المختلفة لاسيّما الانحراف الجنسي، وهو انحراف نتج عن كراهية شديدة لأمه ودفاع ضد خوفه من عقدة الخصاء (Castration). كما دفعته إلى الانتقام من الأنثى عموماً. ورأى فريق ثالث أنه فيلسوف عصر التنوير غير منازع، فقد سار بأفكار ذلك العصر حتى نهايتها، فأخذ بالمادية، والإلحاد، والإباحية، في أشد صورها تطرفاً!. بينما رأى فريق رابع أن السادية ليست مجرد شذوذ أو انحراف جنسي، بل إنها كانت سلاح دي ساد لارتياد آفاق مجهولة في الطبيعة الأساسية للأخلاق.
ومهما يكن من شيء فقد أصبح مصطلح "السادية" يعني في علم النفس الحديث اللذة الجنسية التي يجدها الإنسان في الانحراف الجنسي الذي يصطبغ بالقسوة، وإنزال الألم بالغير أثناء عملية الجنسية.
غير أن من الباحثين من يرى أن "السادية" ليست ظاهرة حديثة في حياة الإنسان، وإنما هي ظاهرة قديمة. وإن لم تشكل انحرافاً؛ فإن درجة معينة من "الممارسات السادية" تحدث في حياة معظم الناس، وهم على العموم يقومون بأفعال كثيرة مؤلمة مثل القرص والخدش، والعصر والعض وغيرها من الأفعال التي ينتج عنها بعض الآلام الخفيفة غير الضارة أو المؤذية، إلا إذا بلغت حدود التطرف والإيذاء لأي من المشاركين فيها..!

الأربعاء، 25 فبراير 2015

"ساد " في النص: فيليب سولليرز

ترجمة: محمد العرابي

"المادة ... تعريفها غير ممكن بغـير الاختلاف
 اللا مـنطقي الذي يمثل بالنسبة لاقتصاد
الكون نفس ما تمثله الجريمة بالنسبة للقانون".        جورج باطاي
                                                    
Marquis De Sade by Kalevipoeg
  المسألة المطروحة من خلال الاسم الممتنع ظاهريا للماركيز دي ساد يمكن تلخيصها بلا شك على هذا النحو: كيف يعقل أن النص السادي (نسبة إلى ساد) لا يوجد كنص بالنسبة لمجتمعنا وثقافتنا؟ ولماذا يصرُّ هذا المجتمع وهذه الثقافة على أن يرى في عمل من ثمرة الخيال، سلسلة من الروايات، مجموعة مكتوبة، شيئا أكثر تهديداً وخطورة من واقع، يمكن وحده أن يؤدي إلى ذلك؛ واقعٍ لن يكون منذئذ، نتيجة لهذه النبرة الخفائية التي يجد نفسه موسوماً بها، إلاّ واقعاً مقدساً؟
   كيف يعقل إذن، أن نصاً بهذه الضخامة، والإنسجام والتدقيق ويتم بشكل مفارق التصريح عنه، بأنه رتيب ومضجر، في حين يعتبر هو من بين النصوص الأكثر تميزاً وفرادة والأكثر إثارة في مكتبتنا، كيف يعقل إذن، أن هذا النص يقرأ أو ينشر في آن بشكل مجزأ، ويتم اختزاله في بعض الدلالات الكبرى، لكي تُنعت بعد ذلك بأنها دلالات فريدة؟ وزيادة في الدقة، كيف يعقل، أننا ننساق إلى طرح فكر ساد بمعزل عن كتابته، هذا الفكر الذي سيكون بحسب الحالات، وبحسب تقمصنا لدور المتَّهِم أو المتهَم، أي بحسب خضوعنا لصيغة من صيغ التعبير القضائي ومن ثم البلاغي، سيكون إما مرضياً ولا إنسانياً، أو لنقل: واضحاً، جريئاً، وتفسيرياً لحدث إسمه الإنسان؟
   كيف يعقل أن يظل ساد مرفوضاً ومقبولاً في آن: مرفوضاً كعمل تخييلي [ككتابة]، ومقبولاً كواقع؛ مرفوضاً كقراءة شمولية، ومقبولاً كمرجعية سيكولوجية أو فزيلوجية؟
   يمكن أن نجازف بتقديم إجابة على الفور: نحن لم نقرر بعد قراءة ساد، من منطلق أن القراءة الجديرة به، لا توجد في بنية هذا المجتمع وهذه الثقافة؛ والأهم، أن ساد يلغي جذرياً كل أنماط القراءة التي نواصل ممارستها وننوي القيام بها بشكل تعميمي. وهذا بالمعنى الذي يجعله يفترض وجود علاقة، محجوبة من طرف الخطاب وإن أصبحت نشيطة منذ زمن، تنظر إلى الفكر ليس باعتباره علة للغة، بل باعتبار أن اللغة لا علّة لها، وتنظر إلى الكتابة باعتبارها دالاً محضاً.
 لأن ما يبرز مع ساد هو تغيير عنيف، وكامل، للكتابة التي عانت طويلاً من الكبت من لدن الكلام الإلهي. وما يبدو أنه يقع تحت المظهر المتوحش للانحلال (perversion) ، هو بالضبط نقيض العصاب المؤسس من لدن حضارة قائمة على تمجيد هذا الكلام. وهذا تحديداً، ليس بالفوضى، بل مستوى من خلق العالم شرط أن يقاوم، لكونه تدميراً وإعادة إنتاج لمجموعة تقع نهباً للعبة بدئية، كل فكرة تفيد توقف عملية الخلق، وانتهاءها، وارتباطها بقصد معين.
وإذا كان لا بد من تعيين بؤرة للكتابة السادية، فلن تكون إلا هذه: إبطال كل سببيّة، بحيث أن هذا  الإبطال ينتهي  بعد أن  نقض الإله بالطبيعة، بالتضحية بالطبيعة في سبيل حركة لا متناهية من الكلمات تتضاعف وترتقي في دلالتها الخاصة: «إننا غير مرتبطين بالإله ولا حتى بالطبيعة، يقول ساد، الأسباب قد لا تكون ضرورية للنتائج».
فأن يتم أخيراً امتصاص العالم في خطاب مادي، وأن تعين الطبيعة تبعاً لذلك، كما كانت دائماً كجدلية سلبية للثقافة، وأن نتمكن إذن للحظة من الإقرار بهدوء: ينبغي على الطبيعة أن تمر عبر استيهام الثقافة – فهذا، لعمري، ما لا سبيل إلى غفرانه. ويكفي أن يوجد نص ساد في أي من مجتمعاتنا، لكي تتسلل إليه عدوى وباء ظلَّ كامناً وآن أوان ظهوره، وكي تطوح ريح صامتة بزيف المبادئ التي تقوم عليها معرفتنا، ولكي يُخلخَل مرتكزها الطبيعي والمعياري ويُلغَّم مرة واحدة وإلى الأبد.
   وعلى هذا النحو نكون قد نُبِّهنا إلى الحدّ الذي قررنا، رغماً عنّا، مواصلة العيش تحت سقفه. ومن المهم الآن مساءلة هذا التنبيه.

الأحد، 15 فبراير 2015

فكرة حول الروايات: الماركيز دي ساد

عرض وتلخيص: صدقي إسماعيل

تقديم
Marquis de Sade, New York Times
من الآراء المألوفة في تاريخ الفكر أن جميع المشاكل الأساسية قد طرحت منذ البداية ولم يضف إليها شيء جديد بعد ذلك. وهذا ما يمكن أن يقال في تاريخ الرواية، ولا سيما أنه قد أتيح لهذا اللون من الانتاج الثقافي عدد من الرواد الموهوبين استطاعوا أن يثيروا جميع التساؤلات المتعلقة بفن القصة وارتباطها بالحياة.
وعلى الرغم من أن مؤلف هذا الكتاب، وهو الماركيز دي ساد (1740-1814) لم يكن روائياً بالمعنى المألوف، فإن هذه الصفحات التي كتبها عام 1800 ولم تنشر إلا في أواخر أيام حياته، تضم كل ما يمكن أن يبحث في هذا المجال.
وقد اقترن اسم ساد بنزعة العنف في الطبيعة البشرية «السادية» وشاعت هذه الكلمة إثر عدد من المؤلفات منها «جرائم الحب» و«جوستين»، عمد فيها إلى تصوير النزوات الإنسانية عارية من كل طلاء، وكانت موضع نقد واتهام لما تضمنه من صور قاتمة عن جموح الرغبات وانحرافها.. وقد كانت هذه الدراسة عن فن الرواية، محاولة أراد بها «ساد» تبرير مذهبه في فضح الواقع البشري وتعرية الحياة –إذا صح التعبير- وهو ما يذهب إليه معظم كتاب الرواية في العصر الحاضر.
وإذا كان ثمة مبرر للاهتمام بهذه الجذور البعيدة لنشوء الفن الروائي، فهو أن انتصار هذا المذهب –على الرغم من محاذير كثيرة- يدل على ارتباط الحياة الحديثة بالتحرر من جميع مظاهر التستر، والوقوف بجرأة أمام حقيقة الإنسان..