الأحد، 22 مايو 2016

ايميلي دو تورفيل أو القسوة الأخوية: الماركيز دو ساد



ترجمة رويدة سالم


by Pierre-Yves Le Strat


لا يوجد في الأسرة ما هو أكثر قداسة من شرف أفرادها، لكن هل يعود الفضل في المحافظة على هذا الكنز بكل قيمته الثمينة الممكنة للدور المهين للمضطهدين المهمومين بحمايته إزاء المخلوقات التعيسة التي تشكل تهديداً؟ ألن يكون أكثر عقلانية الوعي بتلك الأهوال التي يعرضون لها ضحيتهم وإدراك حدود ذاك الشرخ الوهمي في أغلب الأحوال الذي يشتكون من أنهم ضحاياه؟ من هو الأكثر ذنباً في المنطق الفتاة الضعيفة المخدوعة أم ذلك الفرد من أسرتها الذي ينصب نفسه منتقماً لشرف العائلة فيتحول إلى جلاد لسيئة الحظ تلك؟
ربما سيقودنا الحدث الذي سنطرحه على قرائنا إلى حل هذه الإشكالية.



 سمع الكونت " دي ليكسوي"، الملازم العام ذو السادسة والخمسين من العمر أثناء عودته من إحدى أراضيه في "البيكاردي" وعند مروره من غابة "الكومبيانيو" حوالي السادسة مساء في أواخر نوفمبر، صراخ امرأة بدا له انه آت من جانب إحدى الطرق القريبة من الحقل الذي كان يعبره. توقف وأمر خادمه الخاص الذي كان يجري بمحاذاة عربته أن يذهب ليستجلي الأمر  فنقل له هذا الأخير أنها فتاة في السادسة أو السابعة عشرة غارقة في دمها دون أن يكون من السهل تبين جراحها وأنها تطلب النجدة. ترجل الكونت حالاً وأسرع بنفسه لرؤية المسكينة. وجد بدوره صعوبة في معرفة من أين تنزف بسبب الظلام لكن أخيراً وانطلاقاً من إجاباتها لاحظ أنها مجروحة في ذراعها في مستوى الوريد من حيث ينزف الدم عادة. قال الكونت بعد أن عالج هذه الإنسانة بكل ما أمكنه من وسائل:
-      آنستي لست هنا في وضعية تسمح لي أن أسألك أسباب آلامك كما أنك لست مطالبة أبداً بإخباري بها. اصعدي أرجوك إلى عربتي ولتكن الإسعافات الأولية التي قدمتها لك الآن سبباً في جعلك تهدئين ومبرراً يجعلني أسعد بتقديمي للمساعدة.
أثناء قوله هذه الكلمات قام السيد "دي ليكسوي" بمساعدة خادمه على وضع تلك الآنسة المسكينة على الكرسي وانطلقوا. حالما رأت تلك الإنسانة المثيرة للاهتمام نفسها في مأمن حتى حاولت التفوه ببعض كلمات الامتنان لكن الكونت رجاها أن لا تتكلم مطلقاً قائلاً لها:
-      غداً آنستي... غدا ستخبرينني كما أرجو بكل ما يخصك لكن اليوم وبكل ما يمنحني إياه السن وفضل أني كنت مفيداً لك من سلطة، أطلب منك بكل إصرار أن لا تفكري إلا بأن تُهدّئي من روعك.
حين وصلوا غطى الكونت محميته بمعطف رجالي لتجنب انكشاف أمرها ثم أمر خادمه بأخذها لغرفة في شقة مريحة في طرف قصره على أن يأتي لزيارتها بعد أن يرى زوجته وابنه اللذين كانا ينتظرانه في ذلك المساء على العشاء. عاد الكونت لرؤية المريضة ومعه جرّاح. عند زيارتهما لتلك الشابة ورغم أنه لم تكن لها لديها أي جراح خطيرة وجدا أنها تعاني اكتئاباً لا يوصف وأن شحوبها يوحي بأنه لم يبق لها إلا بضع لحظات قبل الموت. قالت حول سر ضعفها أنه بسبب الكميات الكبيرة من الدم التي فقدتها يومياً منذ أشهر وحين شرعت في إخبار الكونت بالسبب الخارق للطبيعة لهذا الفقد المهول انهارت فقال الجراح أنه يجب تركها مرتاحة والاكتفاء بأمر تمكينها من أكل جيد ومعاملة ودودة.
قضت فتاتنا الصغيرة التعيسة ليلة مريحة جداً وطوال ستة أيام لم تكن قادرة على إخبار ولي نعمتها بالأحداث التي تعرضت لها لكن في نهاية مساء اليوم السابع وكان أمر اختفائها لا يزال مجهولاً من طرف كل من يقطنون في بيت الكونت كما لم تكن هي ذاتها تعلم نظراً للاحتياطات المتخذة أين هي موجودة، رجت الكونت أن يسمعها ويمنحها الغفران مهما تكن الأخطاء التي ستعترف بها له، فاتخذ الكونت دو ليكسوي مقعداً قبالتها وطمأنها بأنه لن يحرمها العناية التي أولاها لها منذ التقى بها ثم شرعت مغامِرتنا الجميلة في سرد قصة شقائها

قصة الآنسة "دي تورفيل"
   
سيدي أنا ابنة الرئيس "دي تورفيل" الشهير وذو المركز المميز جداً لكي لا يكون مجهولاً من طرفك. منذ سنتين وهو تاريخ مغادرتي للدير لم أترك منزل أبي أبداً. فقدت أمي في سن صغيرة جداً فاهتم هو وحده بتربيتي ويمكنني القول إنه لم يهمل شيئاً ليمنحني كل النعم ووسائل الراحة الخاصة ببنات جنسي. هذا الاهتمام إضافة للمشاريع التي كان أبي يعلنها حول تزويجي بأفضل ما يكون من حظوظ ومن المحتمل أيضاً بسبب تفضيله لي، كل هذا كما قلت لك أثار سريعاً غيرة أخويّ، وأحدهما رئيس منذ ثلاث سنوات ويبلغ ستة وعشرين عاماً والثاني مستشار منذ وقت قليل وسيبلغ قريباً الرابعة والعشرين.
    لم أتخيل أن أكون مكروهة إلى ذلك الحد من طرفهما كما أجد اليوم من المبررات ما يقنعني بذلك. كنت أعيش في الوهم اللذيذ أنهم يبادلونني المشاعر التي أحملها لهم بكل براءة في قلبي بما أني لم أفعل شيئاً لأستحق من طرفهم تلك الكراهية. آه يا الهي كم كنت مخطئة! باستثناء فترة الاعتناء بتربيتي في الدير، تمتعت عند أبي بأكبر قدر ممكن من الحرية. كنت مسئولة مسؤولية تامة على سلوكي فأبي لم يكن يجبرني على شيء ومنذ حوالي ثمانية عشر شهراً مُنِحت حق التجول صباحاً مع خادمتي الخاصة في ساحة "التويلوري" أو على السور المحاذي لمنزلنا وأن أقوم برفقتها ببعض الزيارات لصديقاتي أو قريباتي سيراً على الأقدام أو في سيارة أبي على أن لا يكون ذلك في الساعات التي لا يمكن فيها لشابة صغيرة أن تكون أبداً وحدها وسط لقاءات عامة. هذه الحرية القاتلة وحدها كانت سبب كل عذاباتي. إنها سبب كل مآسيّ لهذا حدثتك عنها، سيدي. يا الهي لو لم أتمتع بها أبداً!

    منذ سنة حين كنت أتجول كما قلت لك مع خادمتي الخاصة "جولي" في ممشى معتم في ساحة "التولوري"، معتقدة أني وحدي في تلك الساحة وأني أتنفس الهواء الأكثر صفاء، اعترض ستة طائشين طريقنا وفهمنا من كلامهم الحقير أنهم اعتبرونا كلتينا من نطلق عليهن "فتيات هوى". أحرجني المشهد بفظاعة وبما أني لا أعرف كيفية التخلص من ذلك الوضع قدَّرت أن خلاصي يكمن فقط في الهرب حين مر شاب لا يبدو عليه ظاهرياً إلاّ كل أمانة وقد اعتدت أن أراه يتجول غالباً وحده في نفس الوقت الذي كنت أخرج فيه. في تلك الحالة القاسية من الحرج صحت أناديه:
    - سيدي لم أتشرف بمعرفتك لكننا نلتقي هنا تقريباً كل صباح وما يمكن أن تكون قد رأيته مني قد يقنعك بمن أكون ولن امتدح نفسي فلست فتاة مغامرات عابرة لهذا أطلب منك بإلحاج أن تساعدني وتحملني إلى بيتي وتنقذني من هذه العصابة.
السيد "دي..."، هل تسمح لي بعدم ذكر اسمه فالكثير من الأسباب تدفعني إلى ذلك؟ أسرع السيد "دي..." حالاً وأبعد القذرين الذي يحيطون بي وأقنعهم أنهم مخطئون عبر مظاهر الأدب والاحترام اللذين عاملني بهما ثم أمسك ذراعي وأخرجني حالاً من الحديقة. قال لي قبل أن نصل بوابة منزلي:
    - آنستي أعتقد أن الحذر يفرض أن أتركك هنا لأني إن أخذتك حتى داخل البيت فيجب أن نبوح بكل ما حدث ومن المحتمل أن يسبب ذلك منعاً لك من التجول وحدك مستقبلاً. أخفي إذا ما حصل وواصلي القدوم إلى ذلك المكان ذاته بما أن والديك يسمحان لك بذلك وبما أنه يمنحك المتعة. لن أتغيب يوماً وستجدينني دوماً مستعداً للتضحية بحياتي إن توجب ذلك لتجنيبك أي شيء يمكن أن يقلق راحتك.
هذا الحرص وذاك العرض اللطيف، جعلاني أولِي لذلك الشاب اهتماماً لم أتخيل أن أمنحه لأحد قبل ذلك. لاحظت أنه يكبرني بسنتين أو ثلاث وأنه وسيم فاحمر وجهي حين شكرته كما أن الملامح المبهجة لذلك الإله الجذاب الذي صنع عذابي تسربت إلى قلبي دون أن امتلك الوقت لصدها.
افترقنا لكني أعتقد أني رأيت تبعاً للطريقة التي ودعني بها السيد "دي..." أن تأثيري عليه كان مشابها لما شعرت به نحوه. رجعت إلى بيت أبي وحرصت على عدم ذكر أي شيء وفي الغد عدت إلى نفس الممشى يقودني شعور أقوى من طاقتي، يجعلني قادرة على مواجهة كل المخاطر التي يمكن أن تعترض طريقي. ماذا أقول؟ شعور جعلني أتمنى أن أتعرض للمخاطر من أجل الحصول على متعة أن أرى الشاب يدافع عني. إني أصف لك روحي يا سيدي ربما بكثير من السذاجة لكنك منحتني الأمان وكل جزئية جديدة من قصتي ستظهر لك كم أحتاجه، فهذا ليس التجاوز الوحيد الذي سترى أني قمت به ولن تكون هذه المرة الوحيدة التي أستحق فيها شفقتك. في الغد، ظهر السيد "دي..." بعد ست دقائق من وصولي إلى هناك وبادرني حالما رآني قائلاً:
-      هل أجرؤ آنستي على سؤالك إن كانت حادثة البارحة قد كشفت وأنني قد تعرضت لأية متاعب؟
أكدت له أن لا وقلت له إني اتبعت نصائحه ثم شكرته وأبديت له سعادتي أن لا شيء سيمنعني من المتعة التي أجدها في المجيء هكذا كل صباح لتنفس الهواء.
فاستأنف السيد "دي..." بأصدق نبرة ممكنة:
-      لو وجدت آنستي بعض المتعة في هذه الجولات فمن لهم شرف لقائك سيشعروا بمتعة مضاعفة دون شك وإن سمحت لنفسي البارحة بتقديم نصيحة أن لا تُعرِّضي فسحتك لخطر المنع ففي الحقيقة أنت لا تدينين لي بأي شكر وها أني أتجرأ لأؤكد لك آنستي أني بحثت في ذلك عن مصلحتي أكثر من مصلحتك أنت.   
أثناء كلامه ذاك، رفع رأسه والتقت عيوننا ورأيت فيهما تعبيراً شديد البلاغة. آه يا سيدي هل كان يجب أن يكون هذا السيد اللطيف جداً سبب معاناتي يوماً ما؟ أجبته بكل تلقائية واستمر الحديث بيننا فقمنا بجولتين معاً ولم يتركني السيد "دي..." دون أن يناشدني أن أخبره لمن منح سعادة تقديم خدماته البارحة. اعتقدت انه لا يحق لي أن اخفي هويتي عنه ثم قدم لي نفسه وافترقنا. لم تنقطع سيدي لقاءاتنا اليومية تقريباً على مدى شهر. لم يمر ذلك الشهر، كما يمكن أن تتخيل بكل بساطة، إلا وقد اعترفنا لبعضنا البعض بالمشاعر التي يكنّها أحدنا للآخر وتواعدنا على أن نحافظ على مشاعرنا تلك إلى الأبد. 
أخيراً رجاني السيد "دي..." أن أسمح له برؤيتي في مكان يكون أقل إحراجاً من حديقة عامة. قال:
-      لا أجرؤ على الظهور في بيت والدك لأني لم أنل شرف معرفته أبداً وسيشك سريعاً في السبب الذي يحملني للذهاب إلى منزله إن أنا حضرت وعوض أن تكون تلك الخطوة سبباً في توطيد مشاريعنا ربما ستقضى عليها نهائياً لكن لو كنت حقاً طيبة جدا ومتعاطفة جداً لكيلا تتركيني أموت من الحزن لحرماني مما أجرؤ على طلبه منك سأخبرك بحلول أبسط.
رفضت في البداية أن أسمعه ولكني ضعفت سريعاً وطلبتها أنا منه. هذه الحلول سيدي تمثلت في أن نلتقي ثلاث مرات في الأسبوع عند "البارسوي" وهي بائعة ثياب عصرية في شارع "أرسيس" قال إنها تتمتع بكل الحذر والأمانة وتحدث عنها كما لو أنها أمه ذاتها.
-      بما أنهم يسمحون لك بزيارة عمتك التي تسكن كما قلت لي قريباً من هناك يجب أن تتظاهري أنك تذهبين إليها ثم تقومين بزيارات قصيرة لها وتأتين بعد ذلك لتمضي بقية الوقت الذي كنت ستخصصينه للبقاء عندها عند المرأة التي أخبرتك عنها. إذا سأل أحد عمتك إن كانت تتلقى زياراتك ستؤكد أنها تتلقى زياراتك فعلياً في اليوم الذي تخبرينهم أنك ذاهبة لزيارتها فيه ولن يبقى إلا احتساب وقت الزيارات وهو ما لن يكون محور حديثهم أبداً. كوني مطمئنة بما أنهم يثقون بك.
لن أقول لك سيدي أبداً كل ما اعترضت به على السيد "دي..." لكي يغير خطته ولأجعله يعي مساوئها. ماذا سينفع أن أخبرك بإصراري بما أني في النهاية قد خضعت. وعدته بكل ما أراد وعشرين قطعة ذهبية كان قد أعطاها لجولي دون أن أعلم بذلك جعل تلك الفتاة تابعة له كلياً ولم يبق لي بعد ذلك إلاّ أن أعمل على إتمام ضياعي. لكي يكتمل سقوطي ولكي أثمل لأطول وقت وعلى هواي بمتعة ذلك السم الذي يتسرب إلى قلبي بُحت لعمتي باعترافات كاذبة إذ قلت لها أن سيدة شابة من بين صديقاتي (والتي كنت قد طلبت منها أن تقول نفس الشيء إن سألها أحد) ترغب بكل لطف في أخذي معها إلى مقصورتها في مسرح شارع "فرونسي" ثلاث مرات في الأسبوع وأني لا أجرؤ أن أخبر أبي خوفاً من أن يمنعني ولكن سأخبرهم أني آتي عندها ورجوتها أن تؤمن على كلامي. بعد جهد قصير لم تتمكن عمتي من الصمود أمام إلحاحي واتفقنا أن تأتي جولي في مكاني وأنني عند عودتي من العرض آتي لأخذها عند مروري ونعود معا للبيت. قَبلتُ عمتي ألف مرة: إنه عماء الحب المميت الذي جعلني أشكرها لأنها تشاركني تيهي بفتحها الأبواب لهوسي الذي سيضعني على حافة القبر.   
أخيراً بدأت لقاءاتنا عند "البارسوي". كان دكانها مذهلاً ومنزلها لائق جداً وهي ذاتها كانت امرأة في الأربعين تقريباً، اعتقدت أنه من الممكن منحها كل الثقة وللأسف منحتها لها كما فعلت معي حبيبي... الخائن. حان الوقت للاعتراف بكل شيء سيدي... في المرة السادسة التي رأيته فيها في ذلك المنزل المميت امتلك ما يكفي من التأثير عليّ كما استطاع أن يغريني لدرجة أن استغل ضعفي وصرت بين ذراعيه معبودة هواه وضحية هواي. أيتها المتع الفظيعة كم كلفتني من دموع وكم بذرت في أعماقي من الندم الذي سيمزق روحي حتى آخر يوم في حياتي! مرّت سنة، سيدي، وأنا أعيش ذلك الوهم القاتل وكنت قد بلغت عامي السابع عشر. كان أبي يحدثني كل يوم عن الزواج ويمكن أن تتخيل كم كنت أرتعد لتلك العروض حتى حدثت واقعة مميتة أتت أخيراً لترمي بي في الهاوية الأبدية التي غصت بنفسي فيها. إجازة حزينة من العناية الإلهية التي أرادت دون شك أن يكون ما ليس لي فيه أي ذنب سبباً في أن أعاقب على أخطائي الحقيقية لكي نفهم أننا لا نهرب أبداً من سطوة القدر وأنه يتبع الطائش في كل مكان وأن الحدث الأقل شأناً والذي لا نشك فيه يمكن أن يولد عبره تدريجياً ما يخدم الانتقام من خطايانا.
كان السيد "دي..." قد نبهني يوماً أن بعض الأعمال الضرورية ستحرمه من متعة البقاء معي كامل الساعات الثلاث التي اعتدنا فيها أن نكون معاً وأنه سيأتي رغم ذلك قبل نهاية الموعد ببعض الدقائق لكي لا يتغير شيء من نظامنا العادي. كنت أذهب دوما عند "البارسوي" في نفس الوقت الذي اعتدت أن آتي فيه لأنني كنت أستمتع دوماً بقضاء ساعة أو اثنتين مع تلك التاجرة وبناتها وهو ما لن يحدث لو بقيت وحدي في بيت أبي. كنت أعتقد أني أثق بما يكفي بتلك المرأة لكيلا أشعر بأي عقبة إزاء كل ما يقترحه عليّ حبيبي. وعدت إن أتي راجية إياه أن لا يتركني أنتظره طويلاً فأكد لي أنه سينهي مشاغله في أسرع وقت ممكن. وأتيت. يا له من يوم فظيع بالنسبة لي!
استقبلتني السيدة "بارسوي" في مدخل دكانها ولم تسمح لي بالصعود لبيتها كما اعتادت أن تفعل قائلة حالما رأتني قادمة:
-      آنستي يسعدني أن السيد "دي..." لن يتمكن من المجيء هذا المساء باكراً لأن هناك ما أريد أن أعترف به لك ولا امتلك الجرأة لقوله له. إنه أمر يفرض علينا الخروج كلتانا الآن حالاً وهو ما لا نقدر أن نفعله لو كان هو هنا.
قلت لها منزعجة من هذا التقديم:
-      ما الأمر سيدتي؟
فواصلت "البارسوي":
-      لا شيء ذا بال آنستي. لا شيء، فاهدئي أولاً لأنه أبسط شيء في العالم. لقد تفطنت والدتي لمغامرتكما الغرامية فهي عجوز متسلطة ومتدينة ككاهن اعتراف وأنا أجاريها من أجل مالها. إنها ترفض أن استقبلك ثانية وبشكل قطعي وأنا لا اقدر أن أقول هذا للسيد "دي..." إليك إذا ما فكرت به: سآخذك حالاً لإحدى رفيقاتي وهي امرأة في مثل سني وثقة مثلي وسأعرفك عليها وإن أعجبتك ستقولي للسيد "دي..." إنني من أخذك إليها وأنها امرأة صادقة وأنه سيكون من الجيد لكما أن تتم لقاءاتكما عندها. لو لم تعجبك وهو ما أشك فيه جداً بما أننا لن نبقى عندها إلا للحظة ستخفين عنه ما قمنا به وسأتكفل أنا حينها بالاعتراف له أني لم أعد قادرة أن أمنحه منزلي وستجدان معاً حلولاً أخرى لتلتقيا.
ما قالته لي هذه المرأة كان في غاية البساطة وكانت نبرة صوتها وملامحها طبيعية جداً وبما أن ثقتي فيها كانت كلية وسذاجتي كاملة جداً فلم أجد أدني صعوبة في موافقتها على ما تريد ولم أشعر إلاّ بالحسرة على عجزها عن تقديم خدماتها لنا كما قالت لي. قلت لها كل ذلك بكل جوارحي وخرجنا. المنزل الذي أخذتني إليه كان في نفس الشارع على بعد ستين أو ثمانين خطوة على الأكثر من منزل "البارسوي". لم يسؤني المظهر الخارجي للمسكن. كانت بوابته كبيرة ويقع على تقاطع جميل للشارع كما كان مظهره لائقاً ونظيفاً من كل جانب. رغم ذلك صوت خفي بدأ يصرخ في أعماق قلبي أن بعض الأحداث الفريدة تنتظرني في ذلك المنزل القاتل. شعرت ببعض التردّد مع كل خطوة وأنا أصعد الدرج إذ أن كل شيء كان يقول لي: «أين تذهبين أيتها التعيسة؟ ابتعدي عن هذه الأماكن الغادرة».
وصلنا رغم ذلك ودخلنا إلى غرفة انتظار جميلة جداً لم نجد فيها أحداً ومن هناك إلى صالون أغلق مباشرة علينا كما لو أن هناك أحداً مختبئاً وراء الباب. ارتعدت لأن الظلام كان شديداً في ذلك الصالون فبالكاد كنا نرى أين نتحرك. لم نقم بأكثر من ثلاث خطوات حتى وجدت ثلاث نساء يمسكنني وفُتحت حينها غرفة خصوصية صغيرة ورأيت رجلاً في حوالي الخمسين وسط امرأتين أخريين تصيحان باللواتي يمسكنني: «اخلعن ملابسها، اخلعن ملابسها ولا تدخلنها إلى هنا إلا عارية تماماً».
حين وضعت النساء أيديهن عليّ تنبهت من الاضطراب الذي كنت فيه وواثقة أن خلاصي مرتبط بصراخي أكثر من رعبي أطلقت صرخات مروعة جداً فحاولت "البارسوي" تهدئتي بكل ما أمكنها قائلة:
    - إنها مسألة دقيقة واحدة، آنستي. قليلاً من اللطف أرجوك، وستجعلينني أربح خمسين قطعة ذهبية. فصحت بها:
-      لا تفكري أيتها المتسلطة سيئة السمعة بالاتجار بشرفي بهذه الطريقة. سأرمي بنفسي من هذه النوافذ لو لم تخرجيني حالاً من هنا.
قالت إحدى الشقيات وهي تنزع ثيابي
-      لن تذهبي لأبعد من ساحتنا الخاصة حيث سيقبض عليك فوراً يا طفلتي. لذلك، صدقيني، لا خلاص لك إلاّ في الاستسلام.
جنبني سيدي سرد بقية هذه الجزئيات الفظيعة. لقد عرينني في الحال ومنعن صرخاتي بإجراءات وحشية ثم جررنني نحو ذلك الرجل الحقير الذي وجد في دموعي لعبة ممتعة ومستمتعاً بمقاومتي لم يكترث إلا بالسيطرة على الضحية التعيسة التي كان يمزق قلبها. واصلت امرأتان إمساكي وتقديمي لهذا الوحش. سيداً للموقف وحراً في فعل كل ما يريد، لم يطفئ ذلك الرجل نيران حماسته الآثمة إلاّ عبر لمسات وقبلات نجسة تركتني عاجزة.
في النهاية، ساعدنني فوراً على ارتداء ملابسي وأعدنني "للبارسوي" منهارة ومشوشة وفريسة لألم غامض ومرير جمد الدموع في أعماق قلبي. ألقيت نظرات غاضبة على هذه المرأة فقالت لي بانزعاج مفزع ونحن لا نزال في غرفة الانتظار في ذلك المنزل الملعون:
-      آنستي أشعر بكل الرعب الذي سببته لك لكني أتوسل إليك أن تغفري لي وأن تفكري على الأقل قبل أن تسمحي لنفسك بالانسياق وراء فكرة إعلان الأمر. لو كشفتِ ما حصل للسيد "دي..." يمكنك أن تؤكدي له إنك أجبرت على فعل ذلك لكن هذا النوع من الأخطاء التي لن يغفرها لك أبداً ستفسد علاقتك للأبد بالرجل الوحيد في العالم الذي يهمك أن تحافظي عليه بما أنك لا تمتلكين أي وسيلة لاستعادة الشرف الذي أنتزعه منك إلاّ عبر دفعه للزواج بك. كوني واثقة أنه لن يفعل ذلك أبداً إذا أخبرته بما حصل لك.
-      أيتها التعيسة لماذا إذا دفعتني إلى هذا المستنقع؟ لماذا وضعتني في مثل هذا الموقف مجبرة على الاختيار بين أن أخون حبيبي أو أن أفقد شرفي وأفقده هو أيضاً معه.
-      رفقاً آنستي. لن نتكلم أكثر حول ما حصل. الوقت يداهمنا فلنهتم بما يجب أن نقوم به فقط. لو تكلمت ستضيعين لكن لو صمتّ فبيتي سيظل مفتوحاً دوماً لك وأبداً لن يخونك وستظلين مع حبيبك. لو أن رغبة صغيرة في الانتقام الذي لا أكترث له في الواقع لأن امتلاكي لسرّكما سيمكنني دوماً من منع السيد "دي..." من أن يسبب لي أي ضر،  فكري إذاً، لو كانت هذه الرغبة الصغيرة في الانتقام كما قلت لك ستعوضكما عن كل العذاب الذي ستسببه.   
عدنا لمنزل "البارسوي" ويا إلهي أي اضطراب جديد تملكني حين أخبرونا أن السيد "دي..." الذي كان قد جاء وقيل له أن السيدة خرجت لبعض الأشغال الملحة وأن الآنسة لم تصل بعد. أثناء ذلك سلمتني إحدى فتيات الدار بطاقة كتب عليها بعجالة. كان فيها هذه الكلمات: «لم أجدك وأتصور أنك لم تتمكني من القدوم في الوقت المحدد لا يمكنني أن أراك هذا المساء ويستحيل عليّ أن أنتظر فإلى اللقاء بعد غد بكل تأكيد».   
لم تهدئني تلك البطاقة مطلقاً. البرود الذي حوته كلماتها بدا لي نذير شؤم. عدم الانتظار والقليل جداً من اللهفة... كل ذلك جعلني اضطرب إلى حد لا أقدر أن أصفه لك. إذاً ألا يمكن أن يكون قد فطن لما فعلناه وتبعنا وإن فعل ذلك ألست قد ضعت نهائياً؟ سَألت "البارسوي" القلقة بقدري كل من في البيت وقيل لها إن السيد "دي..." قد جاء ثلاث دقائق بعد أن كنا قد خرجنا وانه بدا قلقاً جداً وانسحب مباشرة ثم عاد بعد حوالي نصف ساعة لكتابة هذه البطاقة وكان أكثر اضطراباً فأرسلت بحثاً عن عربة. هل يمكن أن تصدق سيدي إلى أي حد من الوقاحة يمكن أن تتجرأ هذه المرأة التافهة على الوصول بالرذيلة؟
-      آنستي قالت لي وهي تراني أغادر، لا تقولي أبداً شيئاً ممّا حدث. إني لا أنفك أنصحك بذلك لكن لو قطعت للأسف علاقتك بالسيد "دي..." ثقي بي، استغلي حريتك للقيام بعلاقات مربحة لأن ذلك أفضل من حبيب واحد. أعلم أنك آنسة جيدة لكن بما أنك صغيرة سيمنحونك مؤكداً القليل من المال. بجمالك هذا سأجعلك تجنين القدر الذي تشائين. اذهبي، اذهبي فلست الوحيدة. هناك الكثيرات ممن يصرن ثريات ويتزوجن كما قد تفعلين يوماً ما، إما كونت أو ماركيز، سواء بترتيبهن الخاص هن أنفسهن أو عبر ترتيبات مربياتهن. كلهن مررن عبر أيدينا مثلك. عندنا أناس مختصون بالدمى من نوعك ولقد رأيت ذلك بنفسك جيداً: يستعملنهن كورود يشمونهن دون أن يجعلهن يذبلن. إلى اللقاء جميلتي فلن نتخاصم على كل حال بسبب ما حصل وسترين أني يمكن أن أكون مفيدة لك مستقبلاً. ألقيت نظرة رعب على هذه الإنسانة وخرجت سريعاً دون أن أجيبها ثم أخذت "جولي" من عند عمتي كما اعتدت أن افعل وعدت إلى البيت.
لا توجد عندي أي وسيلة ممكنة لإرسال أي كلام للسيد "دي..." فنحن نلتقي ثلاث مرات في الأسبوع ولم نعتد أن نكتب رسائل ولن يكون بإمكاني إلاّ أن أنتظر موعد اللقاء. ماذا سيقول لي وماذا سأجيبه؟ هل أكذب عليه حول ما حصل ثم ألن يكون ذلك خطيراً في حالة اكتشاف الأمر وأليس من الأجدى الاعتراف له بكل شيء؟ تركتني كل هذه التخمينات في حالة من الخوف اللامحدود. أخيراً قررت أن أتبع نصيحة "البارسوي" ومتأكدة من أن هذه المرأة أكثر المستفيدين من حفظ السر قرّرت أن أقلدها وأن لا أقول شيئاً... يا إلهي ماذا ستنفعني كل هذه التخمينات بما أني لا يجب أن أقابل حبيبي وبما أن البارود الذي سيشتعل مفجراً رأسي أولاً قد بدأ في إطلاق الشرارات من كل جهة؟
سألني أخي الأكبر في الغد عن سر السماح لنفسي بالخروج هكذا وحدي مراراً كل أسبوع وفي نفس الوقت فقلت له إني أقضي الأمسية عند عمتي.
-      هذا غير صحيح إيميلي. منذ شهر لم تضعي قدمك في بيتها.
أجبته مرتعدة :
-      إذاً أخي العزيز سأعترف لك بكل شيء: إحدى صديقاتي التي تعرفها جيداً السيدة "دي سان كلار" تلطفت بأخذي معها ثلاث مرات في الأسبوع إلى مقصورتها في "فرونسي". لم أجرؤ على قول شيء خوفاً من أن يرفض أبي لكن عمتي تعرف ذلك جيداً.
فقال لي أخي
-      تذهبين للمسرح؟ كان يمكنك أن تخبريني وكنت سأرافقك وبذلك سيكون الأمر بسيطاً لكن وحدك مع امرأة لا تربطنا بها صلة قرابة وتقريباً في نفس عمرك...
قال أخي الآخر الذي كان قد اقترب أثناء حوارنا:
-      هيا، هيا صديقي فللآنسة ملذاتها ويجب عدم تعكيرها. إنها تبحث عن زوج ومن المؤكد أنهم سيتقدمون جماعات مع مثل هذا السلوك.
ثم أدارا لي كلاهما ظهريهما. ذلك الحوار أرعبني رغم ذلك بدا أخي الأكبر مقتنعاً بقصة المقصورة فاعتقدت أني نجحت في خداعه وأنه سيتوقف هناك ثم حتى لو حدث وقال أحدهما والآخر أكثر دون أن يسجناني، لا شيء في العالم سيكون قوياً بما يكفي ليمنعني من الذهاب للموعد المقبل فتوضيح الأمور مع حبيبي صار مهماً جداً بالنسبة لي فلن يقدر أي شيء في العالم على منعي من الذهاب لرؤيته.
أما فيما يتعلق بأبي، فقد بقي كما هو دوماً، يقدسني ولا يشك بأي من أخطائي وبالتالي لا يسبب لي أبداً أي ضيق حول أي أمر. 
كم هو قاس خيانة آباء مثله وأي ندم يولد من ذلك السلوك فيبذر أشواكاً في المتع التي نشتريها بمثل تلك الخيانات. مثال مهلك وعشق قاس لكن هل سيمكنك حماية اللاتي سيكن في نفس وضعي من أخطائي وهل العذابات التي دفعتها ثمناً ستمكنهن على الأقل من التوقف عند فوهة الهاوية إن علمن بقصتي المثيرة للشفقة.
حل اليوم القدري أخيرا. أخذت "جولي" وراوغت كعادتي تاركة إياها في بيت عمتي ثم أسرعت في عربتي إلى منزل "البارسوي" وترجلت هناك. الصمت والعتمة اللذان يظللان ذلك البيت أنذراني في البداية بشكل غريب إذ لم يظهر لي ولا أي وجه مألوف. لم تظهر إلا امرأة عجوز لم أرها من قبل والتي لتعاستي سأراها كثيراً مستقبلاً وقالت لي أن أنتظر في الغرفة حيث أنا موجودة وأن السيد "دي.."، ذاكرة اسمه، سيأتي في الحال لرؤيتي. غزا برد كوني حواسي وسقطت على الأريكة دون أن أمتلك القوة على قول كلمة واحدة وحال جلوسي حضر أخواي شاهرين المسدس.
صاح الأخ الأكبر:
-      أيتها التعيسة إذا تتلاعبين هكذا بنا. ستموتين حالاً إذا قمتِ بأدنى مقاومة أو إذا صرختِ. اتبعينا ونحن سنعلمك كيف تخونين في ذات الوقت أسرتك التي دنستِ شرفها والحبيب الذي سلمتِه نفسك.
فقدت الوعي تماماً عند سماع هذه الكلمات وحين أفقت وجدت نفسي بين أخوي والعجوز التي حدثتك عنها وكانت ساقايَ مقيدتين ويدايَ مربوطتين بقطعة قماش في عربة بدا لي أنها تسير بسرعة كبيرة. دموعي المحبوسة حتى ذلك الوقت بسبب شدة اضطرابي انهمرت بكثافة. كنت لمدة ساعة كاملة في حالة يرثى لها والتي كانت لتثير، مهما كان ذنبي فظيعاً، عطف أي شخص آخر باستثناء الجلادين اللذين كنت في قبضتهما. لم يكلماني طوال الطريق وقلدت صمتهما وانغمست في ألمي. وصلنا في الغد على الساعة الحادية عشرة إلى قصر يمتلكه أخي الأكبر يقع في أعماق غابة في مكان ما بين "كوسي" و"نويون".
بعد أن دخلت العربة إلى الفناء أمِرتُ أن أبق فيها حتى يبتعد الخيل والخدم ثم قدم أخي الأكبر لأخذي إلى الداخل. قال لي بعنف بعد أن فك وثاقي : «اتبعيني» فانصعت له مرتعدة. يا إلهي كم كنت خائفة حين رأيت المكان المرعب الذي سيصير سجني! كانت غرفة ضيقة معتمة رطبة وحزينة مسيجة بقضبان حديدية من كل الجهات ولا يدخلها نور النهار إلا عبر نافذة تطل على خندق مليء بالماء.
قال لي أخواي:
-      سيكون هذا مسكنك آنستي فالفتاة التي تنتهك شرف أسرتها لا يمكنها أن تعيش إلاّ هنا وسيقسط طعامك تبعاً لكيفية تعذيبك وهذا ما سنعطيك إياه.
أشارا إلى قطعة من الخبز كتلك التي تقدم للحيوانات ثم واصلا القول:
-      وبم أننا لا نريد أن نجعلك تتألمين طويلاً إلاّ من جانب واحد سنحرمك من أي وسيلة للخروج من هنا فهاتين المرأتين...
قالا لي وهما يشيران إلى العجوز وامرأة ثانية تشبهها تقريباً وقد وجدناها عند وصولنا للقصر:
-      هاتان المرأتان ستكون مهمتهما أن تجعلاك تنزفين من الذراعين بعدد المرات التي كنت تذهبين فيها لرؤية السيد "دي..." عند البارسوي. هذا الإجراء سيحملك على الأقل ببطء كما نرجو إلى القبر ولن نرتاح حقاً إلا حين نعلم أن العائلة قد تطهرت من وحش مثلك.
بعد هذه الكلمات أمرا المرأتين أن تمسكاني وأمام هذين الوحشين، سيدي اغفر لي استعمال هذا المصطلح، جعلتاني أنزف من ذراعيّ الاثنين ولم يوقف المتوحشان هذا التعذيب القاسي إلا حين لاحظا أنه قد أغمي عليّ. حين استعدت وعيي، وجدتهما يفتخران بوحشيتهما. وكما لو أنهما أرادا أن يكون تعذيبي تاماً وكما لو أنهما يستمتعان بتمزيق قلبي في نفس الوقت الذي يريقان فيه دمي أخذ الأكبر رسالة من جيبه وناولني إياها قائلاً:
-      اقرئي آنستي، اقرئي وتعرفي على ذلك الذي تسبب في كل آلامك.
فتحتها وأنا أرتعد وحالما تمكنت عيناي من التعرف على تلك الحروف القاتلة، آه يا الهي! انه حبيبي ذاته من خانني وإليك ما حوته تلك الرسالة القاسية فكلماتها مرسومة إلى الآن بالدم في قلبي:
-      تملكني هوس أن أحب أختكما سادتي وتجنبت الحذر لما أفقدتها عذريتها لكني كنت سأصلح الأمر إذْ أنهكني الندم وكنت سأجثو عند قدمَي أبيكم واعترف له بذنبي وأطلبها للزواج. كنت واثقاً من موافقة والدي وكنت قد قررت الانتساب لعائلتكم وفي الوقت الذي اتخذت فيه قراري أقنعتني عيناي وما رأيته بنفسي أنني أقمت علاقة بفتاة رخيصة والتي تحت ستار لقاءات يتوجها الصدق والصفاء تتجرأ على الذهاب لإرواء الرغبات البشعة لأكثر الرجال حقارة. لا تنتظروا إذاً أبداً أي إصلاح من جهتي سادتي فلم أعد أدين لكما بعدما حدث بشيء. إني لا أدين لكما إلا بالابتعاد ولها بالكراهية الأكثر صرامة والاحتقار الأشد وثوقاً. أرسل لكما عنوان المنزل الذي تذهب أختكما لتمارس فيه فسوقها سادتي لكي تتمكنا من التأكد من أني لا أخدعكما.   
ما إن أنهيت قراءة هذه الكلمات المقيتة حتى انهرت ثانية في حالة أشد سوءً.
لا، صحت وأنا أشد شعري، لا أيها القاسي، أنت لم تحبني أبداً ولم يحرك قلبك ولا حتى أضعف إحساس. لو أن أبسط شعور قد ألهب قلبك هل كنت لتدينني دون أن تسمعني وهل كنت لتفترض أني مذنبة بمثل هذا الجرم الفظيع في حين أنك أنت من أعشق؟ يدك أنت أيها الخائن هي من خانتني وهي من رمت بي بين يدَي جلاديّ اللذين سيجعلانني أموت كل يوم بالتفصيل... أموت دون أن أتمكن من أن أشرح لك ما حصل... أموت محتقرة من طرف الشخص الوحيد الذي أعشقه في حين أني لم أخنه أبداً طواعية وفي حين أني لم أكن إلا ساذجة وضحية. أواه! لا، لا فهذه الوضعية قاسية جداً وأكبر من قدرتي على الاحتمال ثم ارتميت عند أقدام أخويّ باكية ورجوتهما أن يسمعاني أو أن يجعلاني أنزف كل دمي قطرة فقطرة حتى الموت في أسرع وقت ممكن.
وافقا على الاستماع لي ورويت لهما القصة ولكنهما كان يرغبان في التخلص مني ولم يصدقاني ولم يعاملاني إلا بقسوة أشد فأرهقاني بالظلم وبعد أن أمرا المرأتين بتطبيق أوامرهما حرفياً وإلاّ تقتلان تركاني وهما يؤكدان لي ببرود أنهما لن يرياني أبداً ثانية.
حال خروجهما تركت لي حارستاي خبزاً وماء وأغلقتا الباب لكني كنت وحدي على الأقل وأقدر أن أنساق وراء يأسي الكبير فوجدت أني أقل تعاسة. ردود الفعل الأولى لحالة اليأس دفعتني لإزالة الضمادات عن ذراعي لأموت بعد فقد دمي كله لكن فكرة فقدان الحياة البشعة قبل أن أوضح الأمر لحبيبي مزقتني بعنف أشد فتراجعت عن فعل ذلك. بعض الهدوء يعيد الأمل، الأمل هذا الإحساس المواسي الذي يولد وسط العذاب، الهدية الربانية التي تمنحها لنا الطبيعة لموازنة عذابنا أو التخفيف من قسوته. قلت لنفسي: لا لن أموت قبل رؤيته. لا يجب أن أعمل إلاّ على هذا ولا أن أشغل نفسي إلاّ به وحينها لو أصر على الاعتقاد أني مذنبة سيحين وقتها أوان الموت وسأفعل ذلك دون ندم بما أنه من المستحيل أن يكون للحياة أي بهرج بالنسبة لي عندما أفقد حبي.   
اتخذت قراري إذا وأقنعت نفسي أن لا أهمل أي وسيلة يمكن أن تنتزعني من هذا المسكن البشع. مرت أربعة أيام كنت فيها قد واسيت نفسي بهذه الفكرة حتى ظهرت سجانتاي لتجديد مدخراتي وجعلي أفقد في نفس الوقت القوة القليلة التي منحتني إياها. جعلتاني أنزف من الذراعين وتركتاني في السرير عاجزة عن الحركة وفي اليوم الثامن ظهرتا من جديد ولما ارتميت عند أقدامهن أرجوهن الرحمة لم تجرحا إلا من ذراع واحدة. مر أخيراً شهران على تلك الوتيرة كنت أثناءهما انزف باستمرار ودورياً من ذراع ثم من الأخرى كل أربعة أيام. طبيعتي القوية وعمري والرغبة اللامحدودة في الهرب من تلك الوضعية الرهيبة إضافة إلى كمية الخبز التي كنت أتناولها للتغلب على ضعفي وللتمكن من تحقيق قراراتي دعمتني. نجحت كلها ومع حوالي بداية الشهر الثالث كنت سعيدة لأني تمكنت من ثقب الجدار بما يمكنني من المرور عبر الثقب في غرفة مجاورة لا يغلقها شيء والفرار أخيراً من القصر. حاولت أن أبلغ سيراً على الأقدام بأقصى ما أستطيع باريس إلى أن خارت قواي في المكان الذي رأيتني فيه ونلت منك سيدي الإسعافات الأولية والتي اعترافي بفضلها يدفعني إلى دفع كل ما أقدر عليه ثمناً لها راجية أن تساعدني أيضاً بتسليمي لأبي الذي من المؤكد أنه قد تم خداعه والذي لن يكون متوحشاً إلى الحد الذي يدينني فيه دون أن يسمح لي أن اثبت براءتي.
سأقنعه بأني كنت ضعيفة لكنه سيرى جيداً أني لم أكن مذنبة بقدر ما توحي به المظاهر وبذلك سيدي لن تكون قد أعدت الحياة فقط لإنسانة تعيسة لن تتوقف عن شكرك أبداً ولكنك ستعيد شرف عائلة تعتقد انه أنتزع منها ظلماً.
قال الكونت "دي ليكسوي" بعد أن استمع بكل انتباه ممكن لرواية إيميلي
-      آنستي من الصعب رؤيتك والاستماع إليك دون أن نمنحك كل عناية ممكنة ومن دون شك أنك لست مذنبة بالقدر الذي يمكن تصوره ولكن في سلوكك بعض التهوّر الذي سيكون من الصعب عليك نكرانه.
-      أوه سيدي.
-      استمعي لي آنستي أرجوك، استمعي للرجل الذي يريد أكثر من أي كائن آخر في العالم مساعدتك. سلوك حبيبك مرعب وليس غير عادل وأعتقد بأنه كان يجب أن يستوضح الأمر بشكل أفضل وأن يراك. إنه حقاً سلوك قاس. لو أننا متأكدون إلى درجة اللاعودة فيجب أن نهجر المرأة في تلك الحالة لكن لا نبلغ عنها أسرتها ولا نشوه شرفها. لا نسلمها بسفالة لمن يقتلونها كما لا يجب أن ندفعهم للانتقام منها. إني ألوم إذا بدون حدود سلوك ذلك الذي تحبينه... لكن سلوك أخويك أيضاً أكثر سفالة. هذا السلوك وحشي بكل معنى الكلمة فالجلادون فقط يعاقبون بهذا الشكل. الأخطاء من هذا النوع لا تستحق عقاباً مماثلاً فالسلاسل لم تنفع أبداً لشيء. نصمت في مثل هذه الحالات لكن لا تغتصب دم ولا حرية المذنبين. هذه الوسائل البشعة تنتقص من شرف من يستعملونها أكثر بكثير من ضحاياهم لأنهم بذلك استحقوا الكراهية وفضحوا الأمر ولم يصلحوا شيئاً. مهما يكن شرف الأخت غالياً علينا فحياتها يجب أن يكون ثمنها أغلي في نظرنا. الشرف يمكن أن نستعيده أما الدم المهدر فلن يرجع. هذا التصرّف إذاً مرعب جداً حتى أنه يجب بكل تأكيد أن يعاقب إن نحن رفعنا شكوى للحكومة. هذه الوسائل التي لن تكون إلاّ تقليداً للطغاة والتي تجعل ما يجب كتمانه علناً ليست ما يجب اتباعه. سأتصرف إذاً بشكل مغاير تماماً لمساعدتك آنستي، ولكني أنبهك إلى أني لن أفعل ذلك إلاّ بالشروط التالية: أولاً أن تسلميني بكل دقة عناوين أبيك وعمتك و"البارسوي" والرجل الذي أخذتك إليه مكتوبة وثانياً آنستي أن تخبريني دون أي تردد باسم الشخص التي تحبينه فهذا الشرط ضروري جداً حتى أني لا أقدر أن أخفي عنك أنه من المستحيل تماماً أن أخدمك في أي شيء لو واصلتِ إخفاء الاسم الذي أطالب به عني.
بدأت إيميلي وهي مرتبكة تنفيذ الشرط الأول بكل دقة ثم بعد أن قدمت العناوين للكونت قالت له وقد احمر وجهها:
-      تريد إذاً، سيدي، أن أقول لك اسم من أغواني؟
-      من المؤكد آنستي فلن أقدر على فعل شيء دون ذلك.
-      إذا سيدي انه المركيز "دي ليكسوي".
صاح الكونت وهو عاجز عن إخفاء المشاعر التي سببها له ذكر اسم ابنه:
-      الماركيز "دي لوكسوي" قادر على مثل هذا؟
وحين عاد لنفسه أضاف:
-      سيصلح الأمر آنستي. سيصلح الأمر وستنالين التعويض. ثقي بكلمتي. وداعاً.
الاضطراب الغريب الذي سببه اعتراف إيميلي الأخير للكونت "دي لوكسوي" أثار استغراب سيئة الحظ هذه بشكل لافت. خافت أن تكون قد قامت بعمل طائش لكن الكلمات التي قالها الكونت وهو خارج طمأنتها رغم ذلك ودون أن تفهم شيئاً حول ترابط الأحداث التي كان من الصعب عليها فكها ودون أن تعلم، أيضاً، أين كانت قررت أن تنتظر بصبر نتيجة ما سيقوم به المحسن إليها إضافة إلى أن العناية المحاطة بها والتي لم تتوقف أثناء فترة الانتظار جعلتها تهدأ وتقتنع أن كل شيء يسير في صالح سعادتها. تأكدت من أنها على حق تماماً حين رأت في اليوم الرابع للشرح الذي قدمته، الكونت يدخل لغرفتها ممسكا بيد الماركيز "دي لوكسوي". قال الكونت:
    - آنستي إني احمل إليك في آن واحد المتسبب في كل عذاباتك ومن أتى ليعوضك راكعاً عند قدميك وراجياً أن لا ترفضي طلب زواجه منك. عند سماع هذه الكلمات ارتمى الماركيز عند قدمي تلك التي يعشقها لكن هذه المفاجأة كانت قوية جداً بالنسبة لإيميلي التي لم تكن بالقوة الكافية لتقبلها فأغمي عليها وسقطت بين ذراعي المرأة التي تقوم على خدمتها لكن بفضل العناية الفائقة استعادت سريعاً وعيها لتجد نفسها بين ذراعي حبيبها. قالت له وهي تذرف انهاراً من الدموع:
-      أيها الرجل القاسي أي حزن سببته لمن تحبك؟ هل تعتقد أنها قادرة على مثل ذلك العمل الشائن الذي تجرأت على اتهامها به؟ إيميلي التي تحبك يمكن أن تكون ضحية ضعفها وخداع الآخرين لها لكنها لا تقدر أبداً أن تكون خائنة.
فصاح المركيز:
-      أوه  أنت يا من أعشق، اغفري لي غيرتي الرهيبة المبنية على المظاهر الخادعة. نحن الآن، جميعاً، واثقون من براءتك لكن للأسف تلك المظاهر المميتة، ألم تكن كلها ضدك؟
-      كان يجب أن تُكِنَّ لي التقدير "ليكسوي" وما كان يجب أن تؤمن أني يمكن أن أخونك. كان يجب أن تتبع بشكل أقل يأسك على حساب المشاعر التي كنت أفخر بتصديرها لك. ليُعلِّم هذا المثال بنات جنسي أن ليس هناك دوماً ما يكفي تقريباً من الحب ليحمينا إن نحن منحنا أنفسنا سريعاً فهذا الاستسلام ما يفقدنا التقدير في عيون عشاقنا. أوه ليكسو! كنت ستحبني أكثر لو أحببتك بسرعة أقل. عاقبتني على ضعفي وما كان يمكن أن يؤكد لى حبك هو ما جعلك تشك بحبي لك.
قاطعهما الكونت:
-      ليُنْسَ كل شيء من طرفكما، كلاكما. "لوكسوي" سلوكك يستحق التأنيب ولو لم تقم بإصلاح الأمر منذ قليل ولو لم أر الرغبة في قلبك لقاطعتك طوال حياتي. حين نحب بحق كما يقول شعراؤنا الجوالون مهما يكن ما رأيناه أو ما سمعناه من أشياء محبطة حول المحبوبة لا يجب أن نثق لا بأعيننا ولا بآذاننا لكن يجب أن نستمع لقلوبنا. آنستي أنتظر أن تتعافي بسرعة بفارغ الصبر، تابع الكونت موجها حديثه لإيميلي، لا أريد أن أحملك لأهلك إلا كعروس لابني لتعويض عذاباتك وأفخر أنهم لن يرفضوا أبداً الارتباط بي. إن رفضوا فأنا أقدم لك بيتي آنستي وعرسك سيقام هنا ولآخر رمق في حياتي لن أتوقف عن رؤيتك ككنّتي الغالية التي ستشرفني دوماً سواء تم تقبل زواجك أم لا. ارتمى "ليكسوي" على رقبة أبيه والآنسة "دي تورفيل" انهارت باكية وهي تضغط على يدي المحسن إليها. تُرِكت لترتاح بعض الساعات بعد ذلك المشهد الذي سبب طول مدته تراجعا في عافيتها والتي يتمناها كل الأطراف بكل قوة..    
أخيراً في اليوم الخامس لعودتها إلى باريس صارت الآنسة "دي تورفيل" في حالة تمكنها من القيام وصعود السيارة. جعلها الكونت تلبس ثوباً أبيض كقلبها كما لم يقع إهمال شيء لكي تكون في أبهى زينتها إلا بعض بقايا الشحوب والضعف اللذين جعلاها أكثر لفتا للأنظار. الكونت، هي و"ليكسوي" ذهبوا إلى منزل الرئيس "دي تورفيل" والذي لم يتم إخباره بشيء والذي بلغت مفاجأته أقصى حد وهو يرى ابنته. كان مع ولديه اللذين علا وجههما الغضب والثورة أثناء هذا اللقاء غير المرتقب. كان يعلمان أن أختهما قد فرت لكنهما اعتقدا أنها ماتت في بعض أرجاء الغابة وكانا يشعران بأكبر قدر ممكن في العالم من الارتياح 
قال الكونت وهو يقدم إيميلي لوالدها:
-      سيدي ها هي البراءة ذاتها والتي أعيدها إليك.
ارتمت إيميلي عند قدمي أبيها وتابع الكونت:
-      إني أرجو مغفرتك، سيدي، ولن أكون أنا من يطلبها إن لم أكن واثقاً من أنها تستحقها في النهاية سيدي، واصل سريعاً، أبلغ دليل يمكنني تقديمه لك للتعبير عن التقدير الكبير الذي أكنه لابنتك هو أن أطلبها للزواج من ابني. نحن ننتمي لطبقتين يمكن أن تتصاهرا سيدي وإن كان يوجد بعض عدم التوافق بالنسبة لي من حيث الأملاك فسأبيع كل ما أمتلكه ليكون لدى ابني ثروة تليق بالآنسة ابنتكم. قرروا سيدي واسمحوا لي أن لا أذهب إلاّ بعد الحصول على ردكم.
رئيس "دي تورفيل" العجوز الذي أحب دوما ابنته إيميلي والذي كان في حقيقته الطبية المجسدة والذي بسبب سمو أخلاقه لم يعد يقوم بخطة رئيس منذ حوالي عشرين عاماً، أجاب الرئيس العجوز، كما قلت، وهو يغرق صدر ابنته بالدموع، كان الكونت إنه سعيد جداً لمثل هذا الاختيار وأن كل ما يحزنه هو أن ابنته العزيزة إيميلي لا تستحق ذلك الشرف. ارتمى الماركيز "دي ليكسوي" حينها عند قدمي الرئيس ورجاه أن يغفر له أخطاءه وان يسمح له بإصلاحها. تمت الوعود ورُتّب كل شيء وهدأ الكل من الطرفين فقط أخوي بطلتنا المثيرة للاهتمام رفضا أن يشاركا الفرحة العامة ودفعاها حين تقدمت منهما لتقبلهما. حاول الكونت الغاضب من ذلك التصرف إيقاف أحدهما وهو يحاول مغادرة المكان فصاح السيد "دي تورفيل" مخاطباً للكونت:
-      اتركهما سيدي، اتركهما لقد خدعاني بفظاعة. لو أن هذه الطفلة العزيزة كانت مذنبة بالقدر الذي أخبراني به هل كنت لتقبلها زوجة لابنك؟ لقد عكرا سعادة أيامي الأخيرة عندما حرماني من طفلتي إيميلي. اتركهما.
خرج هذان التعيسان وهما يكادان ينفطران غيظاً. قام الكونت بإعلام السيد "دي توفيل" بكل الفظاعات التي قام بها ولداه وبأخطائهما في حق ابنته. الرئيس الذي لا حظ عدم توافق الأخطاء مع العقوبة المشينة أقسم أن لا يرى مجدداً ولديه لكن الكونت هدأه وجعله يعده أن يمحو كل تلك الأحداث من ذاكرته. بعد ثمانية أيام تم العرس دون أن يقبل الأخوان حضوره لكن لم يكترث لذلك أحد بل تمّ احتقارهما. السيد "دي تورفيل" أمرهما بالتزام الصمت التام وإلا فسيسجنهما كليهما فصمتا ولكن ليس بما يكفي رغم لك للتباهي ببشاعة ما قاما به مدينين لتسامح والديهما. كل من علم بهذه القصة التعيسة صاح مرعوباً من التفاصيل الرهيبة التي تميزها.
  
هذه إذاً يا الهي، الفظاعات التي يسمح بها علناً أولئك الذين يدعون حق معاقبة جرائم الآخرين. من الجائز جداً قول إن مثل هذه الخسة خاصة بأولئك المتعصبين التابعين العاجزين لتيميس(*) العمياء الذين يتربون في  صرامة حمقاء وتقسو قلوبهم منذ الطفولة على صرخات سيئي الحظ رغم أنهم متسخين بالدم منذ المهد يقضون حياتهم في إلقاء اللوم على كل شيء والانغماس في كل شيء ويعتقدون أن الوسيلة الوحيدة لتغطية شرورهم المخفية ومراوغاتهم العامة تكمن في إظهار صرامة باردة تجعلهم يبدون من الخارج كالإوز في حين أنهم في داخلهم نمور والتي رغم ذلك ليس لها غاية مع أنها تجعلهم نجسين بالجرائم المفروضة على الأغبياء وجعل الإنسان العاقل يكره مبادئهم البغيضة وقوانينهم الدموية وشخصياتهم الحقيرة.
إنهم شعراء "بروفنساليون" متجولون من يقولون ذلك وليسوا "بيكارديين"

الهوامش:
*) تيميس: إلهة إغريقية تُجسَّدُ على شكل امرأة معصوبة العينين وتمثل الأمر الإلهي والقانون والعرف.

مصدر النص الأصلي:  قصة مقتطفة من الـمجموعة السردية: حَوَادِيثُ، حِكَايَاتٌ وَخُرَيْفَاتٌ، 1788.

هناك 3 تعليقات:

  1. إنها الوصاية الدائمة التي يضعها المجتمع بيد الذكور كأنهم أبناء الآلهة .

    ردحذف
  2. زوجي رجل غني جدا واللحام. وجعل المال معا في وقت لاحق الشهر قليل، بدأ تركيب مع أصدقاء السوء .على أشار لي كان وجود علاقة غرامية مع امرأة أخرى. ومحامي العائلة دعوة لي سألني إذا كان لي وزوجي يغيب الفهم، لأن بلدي الزوج تغيير اسم الكتابة على حيلة. أخذ كل ما لدينا لصديقته، وهذا يعني أن ليس لدي أي حصة في الأسرة. وقد أحبطت ط وثني. حتى صديق نصيحتي لي لزيارة عجلة موجة بحيث كانت كل مشاكلي حل خلال 48 ساعة ثم اتصلت عجلة موجة أنها أعرض لي. الدكتور موجة أوجون العجلات، أوجون الدكتور وعد ان كل شيء سيكون على ما يرام كان. بعد أسابيع قليلة جاء زوجي إلى البيت، على يسجد له التسول، تطلب مني الصفح ونسيان الماضي ومواجهة المستقبل أمامنا. الآن أنا في السيطرة الكاملة على وصول زوجي. الشكر الكبير لأوجون الدكتور الذي يعود زوجي إذا كان لديك نفس المشكلة يرجى الاتصال د. اوجون في حياته عبر email.drogunspellcaster@gmail.com أو يمكنك الاتصال به على هذا الرقم +2349033375429

    ردحذف